حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين

مسار تايوان في ضمان حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، من انتهاكات الحقوق في ظل النظام الاستبدادي إلى أن تصبح رائدة في مجال حقوق الإنسان في آسيا

نظرة عامة في 30 ثانية: تطورت تايوان من انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الاستبدادي لتصبح دولة رائدة في ضمان حقوق الإنسان في آسيا. من خلال معالجة إرث الاستبداد عبر العدالة الانتقالية، وسن تشريعات المساواة بين الجنسين، وتحقيق تقنين زواج المثليين، أصبحت تايوان مؤشرًا مهمًا للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في آسيا.

مر تطور حقوق الإنسان في تايوان بثلاث مراحل: القمع الاستبدادي، التحول الديمقراطي، وضمان الحقوق. من الذاكرة المؤلمة لحادثة 228 والرعب الأبيض، إلى إنشاء آليات حماية حقوق الإنسان تباعًا بعد رفع الأحكام العرفية، وصولًا إلى الإنجازات الاختراقية في السنوات الأخيرة مثل دفع العدالة الانتقالية وتحقيق تقنين زواج المثليين. في عام 2009، حولت تايوان «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» (ICCPR) و«العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية» (ICESCR) إلى قانون داخلي، مما رسّأ إطارًا قانونيًا قائمًا على معايير حقوق الإنسان الدولية. 1

انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الاستبدادي

أسفرت حادثة 228 عام 1947 عن مقتل وجرح عشرات الآلاف، تلتها ثمانية وثلاثون عامًا من الحكم العرفي (1949-1987) شكّلت أعمق جرح في تاريخ حقوق الإنسان الحديث في تايوان. خلال فترة الرعب الأبيض، تعرض المعارضون السياسيون لمحاكمات جائرة، وتعذيب، وإعدام، وسجن طويل الأمد، وأصبحت قضية «لاي تشن» (雷震) وحادثة «ميلي داو» (美麗島事件، 1979) رموزًا تمثيلية للحكم الاستبدادي. 2

تحت نظام الأحكام العرفية، قُيدت الحريات الأساسية كالتجمع وتكوين الجمعيات، وحرية التعبير والنشر، وحرية التنقل والإقامة. امتدت المحاكمات العسكرية لتشمل المدنيين، وتضررت استقلالية القضاء؛ ومن خلال الرقابة الثقافية على الفكر المجتمعي، تشكل «تأثير الصمود الصامت» (تأثير الردع).

بعد رفع الأحكام العرفية (1987)، تقدمت أعمال إعادة النظر في القضايا الظالمة تباعًا. قدم «قانون التعويض عن قضايا المحاكمات الجائرة للتمرد والتجسس خلال فترة الأحكام العرفية» تعويضات للضحايا، كما انطلقت أعمال التاريخ الشفهي وفتح الأرشيف في العقود التالية، وشكّلت هذه الأعمال ترتيب الذاكرة الأساس المادي للعدالة الانتقالية اللاحقة.

مسار العدالة الانتقالية

رسّخ «قانون تعزيز العدالة الانتقالية» عام 2017 الأساس القانوني، وبدأت «لجنة تعزيز العدالة الانتقالية» (اللجنة) عملها رسميًا عام 2018، وتولت مهام التحقيق في الحقيقة، وتنظيم الأرشيف، وتنقية القوانين، وملاحقة أصول الحزب التي اكتسبت بشكل غير مشروع خلال العصر الاستبدادي.

في جانب إزالة الرموز الاستبدادية، تمت إزالة تماثيل الحكام المستبدين تباعًا، وتحولت المواقع الاستبدادية السابقة إلى فضاءات للتعليم في مجال حقوق الإنسان، وتُعد «حديقة جينغ مي التذكارية للرعب الأبيض» و«حديقة الثقافة الحقوقية في جزيرة غرين» (綠島) نموذجين تمثيليين.

في جانب البناء المؤسسي، أُنشئت «لجنة حقوق الإنسان الوطنية» في «هيئة المراقبة» (監察院)، كمؤسسة مستقلة وفق معايير «مبادئ باريس» للإشراف على أوضاع حقوق الإنسان. وقد أصبح مسار العدالة الانتقالية في تايوان حالة عملية قابلة للاقتداء بها من قبل دول آسيوية أخرى في التحول الديمقراطي. 3

المساواة بين الجنسين وزواج المثليين

في جانب تشريعات المساواة بين الجنسين، يضمن «قانون المساواة بين الجنسين في العمل» المساواة في مكان العمل، ويعزز «قانون تعليم المساواة بين الجنسين» التعليم المتعلق بالمساواة في الحرم الجامعي، وينشئ «قانون منع التحرش الجنسي» آليات الوقاية والمعالجة. وقد أدى نظام الحصص المضمونة للنساء إلى ارتفاع كبير في مشاركة النساء في السياسة، وظلت نسبة النائبات في تايوان تتصدر دول آسيا لسنوات طويلة.

يُعد تقنين زواج المثليين أبرز تقدم في مجال حقوق الإنسان في تايوان في السنوات الأخيرة. في 24 مايو 2017، أكد تفسير المحكمة الدستورية رقم 748 أن القانون المدني القائم بعدم ضمان زواج المثليين ينتهك الحق الدستوري في المساواة، وطالب بإكمال التشريع ذي الصلة خلال عامين. أظهرت نتائج الاستفتاءات رقم 10، 11، 12، 14، 15 في 24 نوفمبر 2018 انقسامًا واضحًا في الرأي المجتمعي: حصلت القضية 10 (حصر الزواج برجل وامرأة) على 7.65 مليون صوت موافق و2.9 مليون معارض؛ وحصلت القضية 14 (ضمان القانون المدني لزواج المثليين) على 3.38 مليون موافق و6.95 مليون معارض. أظهرت هذه النتيجة تفوق معسكر معارضي زواج المثليين بوضوح في الاستفتاء. رد المجلس التشريعي (立法院) بسن قانون خاص، وفي 17 مايو 2019 أقر «قانون تنفيذ تفسير المحكمة الدستورية رقم 748»، لتصبح تايوان أول دولة في آسيا تقنن زواج المثليين. 4

حشدت جماعات محافظة مثل «تحالف حماية الأسرة» و«قوة الاستقرار» أولياء الأمور والمجتمعات الدينية قبل الاستفتاء وبعده، مما يعكس التوترات الداخلية في المجتمع التايواني حول قضايا الجندر التي لم تختفِ بإتمام التشريع. في يناير 2023، عدل المجلس التشريعي «قانون التنفيذ» للسماح للأزواج المثليين بتبني أطفال غير مرتبطين بيولوجيًا بشكل مشترك، لسد الثغرة القانونية الأصلية.

في 29 مايو 2020، أعلن تفسير المحكمة الدستورية رقم 791 أن المادة 239 من «القانون الجنائي» الخاصة بجريمة الزنا غير دستورية وتفقد مفعولها فورًا، مما أزال من الناحية الجنائية الرقابة المجندرة على الاستقلالية الجنسية للأفراد (ففي الممارسة القضائية، كانت معدلات التبليغ عن جريمة الزنا أعلى بشكل واضح ضد النساء)، وشكّل ذلك نقطة تحول رئيسية في تطور تشريعات المساواة بين الجنسين.

حركة #MeToo 2023 وتعديل القوانين الثلاثة للمساواة بين الجنسين

في مايو-يونيو 2023، اندلعت موجة حركة #MeToo في تايوان، بدأت من اتهام موظفة في الحزب الديمقراطي التقدمي (民進黨) بتعرضها للتحرش الجنسي في القاعدة الحزبية، ثم انتشرت سريعًا إلى الأوساط السياسية، والأكاديمية، والإعلامية، والفنية، وسُميت «حركة #MeToo في تايوان». دفعت الأحداث المجلس التشريعي إلى إقرار تعديل شامل لـ «قانون المساواة بين الجنسين في العمل»، و«قانون تعليم المساواة بين الجنسين»، و«قانون منع التحرش الجنسي» (المعروفة مجتمعة بـ «القوانين الثلاثة للمساواة بين الجنسين») بالقراءة الثالثة في 31 يوليو 2023، مما عزز مسؤوليات أصحاب العمل والمدارس في المعالجة، ورفع العقوبات، وأدخل آلية تحقيق مستقلة من طرف ثالث. 5

كما استجاب تعديل القوانين الثلاثة للمساواة بين الجنسين لمشكلة «عدم استقلالية آليات المعالجة» التي طالما تعرضت للانتقاد — ففي الماضي، كانت قضايا التحرش الجنسي تُعالج ذاتيًا من قبل مؤسسة الجاني وتُنهي ذاتيًا، بينما يفرض القانون الجديد إلزامية تعيين أعضاء خارجيين، وتمديد مهلة تقديم الشكاوى، وهو اختراق هيكلي في تشريعات المساواة بين الجنسين في تايوان.

حقوق المتحولين جنسيًا والتوترات الداخلية

يُعد «جدل تغيير الوثائق الثبوتية للمتحولين جنسيًا دون جراحة» أحد أكثر مجالات قضايا المساواة بين الجنسين إثارة للجدل في تايوان في السنوات الأخيرة. في «قضية شياو إي» (小E案) عام 2021، قضت المحكمة الإدارية العليا في تايبيه بأن تفسير وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية القاضي باشتراط جراحة تغيير الجنس لتغيير الوثائق الثبوتية غير دستوري، وهو أول اعتراف قضائي في تايوان باحتمالية قانونية «لتغيير الوثائق دون جراحة». أثار هذا الحكم انقسامًا داخل الحركة النسوية: تطالب حركة المتحولين جنسيًا بتقرير المصير في الهوية الجندرية، بينما تخشى نسويات راديكاليات مستبعدات للمتحولين (المعروفات بـ TERF، Trans-Exclusionary Radical Feminist) تأثر المساحات أحادية الجنس للنساء (دورات المياه، غرف تغيير الملابس، المسابقات الرياضية، الملاجئ). لم يتحقق إجماع مجتمعي حول هذا التوتر حتى الآن، ولم تصدر «اليوان التنفيذي» (行政院) بعد معايير شاملة لتغيير الوثائق. 6

«حادثة المصنع الشرقي» للجنة تعزيز العدالة الانتقالية 2018

في سبتمبر 2018، ذكر نائب رئيس لجنة تعزيز العدالة الانتقالية «تشانغ تيان تشين» (張天欽) في تسجيل اجتماع داخلي عبارة «إنشاء مصنع شرقي» (إشارة إلى جهاز مخابرات استبدادي في عهد أسرة مينغ)، وتحدث عن الاستخدام الاستراتيجي لتحقيقات العدالة الانتقالية ضد مرشح محدد (هو يو يي، 侯友宜)، مما أثار تساؤلات مجتمعية حول حيادية اللجنة السياسية. قدم تشانغ تيان تشين استقالته، وأجرت اللجنة تحقيقًا داخليًا، لكن الحدث ألحق ضررًا جسيمًا بمصداقية اللجنة، وأصبح حالة مرجعية سلبية لدفع أعمال العدالة الانتقالية اللاحقة. 7

التحديات المتبقية

في جانب الشعوب الأصلية، رسّخ «قانون أساس الشعوب الأصلية» الحقوق الجماعية، ودفع ترسيم الأراضي التقليدية وإحياء اللغات، لكن النزاعات حول الأراضي التقليدية وممارسة الحكم الذاتي لا تزال جارية. وفيما يخص العمال المهاجرين، ورغم وجود ضمانات لظروف العمل الأساسية، لا تزال هناك مساحات للتحسين في نظام رسوم الوسطاء وحرية تنقل العمال المهاجرين.

في جانب الأطفال، أنشأ «قانون حماية حقوق ورفاهية الأطفال والمراهقين» آلية إبلاغ، وأدخل حظر العقاب البدني في القانون؛ وفي جانب ذوي الإعاقة، أكمل «قانون تنفيذ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة» (CRPD) تشريعه، ولا يزال بناء البيئة الخالية من العوائق قيد الدفع.

في جانب المشاركة الدولية، لا تستطيع تايوان الانضمام الرسمي لآليات حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بسبب وضع سيادتها الخاص، لكنها تشارك في النقاشات الدولية لحقوق الإنسان عبر القنوات المدنية. وقد حظي تنفيذ «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة» (CEDAW) محليًا بتقدير منظمات حقوق الإنسان الدولية، كما صنفت «فريدم هاوس» (Freedom House) تايوان كدولة «حرة».

المراجع

قراءة موسعة

  1. قانون تنفيذ العهدين — قاعدة البيانات القانونية الوطنية لوزارة العدل — «قانون تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»، دخل حيز التنفيذ عام 2009.
  2. الموقع الرسمي للجنة تعزيز العدالة الانتقالية — المؤسسة الحكومية للعدالة الانتقالية، تضم تحقيقات انتهاكات حقوق الإنسان في العصر الاستبدادي، وقاعدة بيانات الضحايا، والأرشيف ذي الصلة.
  3. زواج المثليين في تايوان — ويكيبيديا — مسار تقنين زواج المثليين في تايوان، متضمنًا تفسيرات المحكمة الدستورية، بيانات الاستفتاء، والعملية التشريعية.
  4. فريدم هاوس — حرية في العالم تايوان — التقييم السنوي لمنظمة حقوق الإنسان الدولية للحقوق السياسية والحريات المدنية في تايوان. انظر أيضًا لجنة الانتخابات المركزية — نتائج استفتاء عام 107 لأرقام الأصوات الكاملة للقضيتين 10 و14.
  5. قانون المساواة بين الجنسين في العمل — قاعدة البيانات القانونية الوطنية — النص الكامل لتعديل القوانين الثلاثة للمساواة بين الجنسين في 31 يوليو 2023.
  6. تغيير الوثائق الثبوتية للمتحولين جنسيًا دون جراحة — مؤسسة المرأة الجديدة للمعرفة — حكم قضية شياو إي 2021 والنقاشات القانونية ذات الصلة.
  7. حادثة المصنع الشرقي للجنة تعزيز العدالة الانتقالية — ويكيبيديا — السجل الكامل لحدث تشانغ تيان تشين في سبتمبر 2018.
حول هذه المقالة هذه المقالة منسقة تعاونيًا من قبل المجتمع، وتمت كتابتها ومراجعتها بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
الكلمات الرئيسية
المجتمع، حقوق الإنسان، المساواة بين الجنسين، زواج المثليين، العدالة الانتقالية
مشاركة

قراءة إضافية

قد ترغب أيضًا في القراءة

مجتمع

الزلازل: ذاكرة جزيرة ترقص مع "ثور الأرض"

لماذا يرتعد الأجانب خوفاً، بينما يهتم التايوانيون فقط بما إذا كانت نودلزهم سريعة التحضير قد أصبحت طرية؟ من "شعر الأرض" في عصر تشينغ إلى 102 ثانية من زلزال 921، شاهد كيف حولت هذه الجزيرة الكارثة إلى روتين يومي.

閱讀全文
مجتمع

موسوعة تايوان الكبرى: حلم المعرفة الوطني بخمسمئة مليون

في عام 2004، أطلقت تايوان أكبر مشروع معرفي في تاريخها «موسوعة تايوان الكبرى». انتقلت هذه الخطة من المخطط الكبير الأولي لوانغ رونغ-ون البالغ 1.4 مليار، إلى التنفيذ الفعلي بـ 520 مليون، مرت بثلاث مراحل تكرار للنظام وتطور في آليات الترخيص، وأُغلق الموقع المستقل نهائيًا في 2014. لم يكن هذا مجرد تاريخ للتحول التقني، بل كان تحولًا جذريًا في دور الدولة في العصر الرقمي: من «محددة النسخة الموثوقة» إلى «موفرة المواد المفتوحة».

閱讀全文
مجتمع

حماية البيئة والتنمية المستدامة

من جزيرة المدخنة إلى تايوان صفر انبعاثات: طريق وعي حركة حماية البيئة خلال 40 سنة

閱讀全文
مجتمع

فالون غونغ: من ساعة زهور يانغ مينغ شان، إلى تشونغنانهاي و 101 مرآة العلاقات عبر المضيق

في عام 1995، أُقيم أول موقع لممارسة فالون غونغ في تايوان بهدوء بجانب ساعة زهور يانغ مينغ شان. وعلى مدى ثلاثين عاماً تالية، تطورت هذه المجموعة، التي صُنفت في الصين بأنها "طائفة ضالة" وتعرضت لاضطهاد شديد، لتصبح ظاهرة ممارسة يقودها أساتذة من جامعة تايوان الوطنية ومسجلة كـ "جمعية قانونية". إن وجود فالون غونغ الهادئ في تايوان ليس مجرد انتشار لتمارين تشي كونغ، بل هو خط المواجهة الأمامي الذي يضمنه دستور تايوان لحرية الدين.

閱讀全文