تعرض ثقافة الخبز في تايوان مشهداً فريداً يمزج الشرق بالغرب. من التقنيات الأساسية التي دخلت في فترة الحكم الياباني، إلى التأثير الأمريكي بعد الحرب، ثم موجة الخبز الأوروبي في السنوات الأخيرة، شقّت صناعة المخبوزات التايوانية طريقها الخاص. في عام 2010 فاز وو باو-تشون في باريس ببطولة الفردي في Mondial du Pain (بطولة العالم للخبز)، فرسّخ اسم المخبوزات التايوانية على المسرح الدولي.1
ظاهرة وو باو-تشون والطريق إلى بطولة العالم
في مارس 2010، وفي بطولة Mondial du Pain (بطولة لوساف العالمية للخبز) التي أُقيمت في معرض Europain بباريس، فاز وو باو-تشون القادم من بينغتونغ في تايوان ببطولة الفردي عن عمله «مي نيانغ لي شيانغ» (المصنوع من الليتشي والورد وعجينة بادئة مخمّرة بالنبيذ الأحمر من مصنع بولي)، وهزّ العالم كله.1 كان ذلك معلماً في تاريخ المخبوزات التايوانية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المسابقة هي Mondial du Pain، وليست المسابقة الأكبر Coupe du Monde de la Boulangerie (وهذه الأخيرة مسابقة فرق).
وراء نجاح وو باو-تشون قصة مؤثرة. فقد وُلد فقيراً، ودخل مخبزاً متدرّباً فور تخرجه من الإعدادية، وبدأ من أبسط أعمال التنظيف. في ذلك الزمن الذي لم تكن فيه أقسام دراسية للمخبوزات، كان التلقين المباشر من المعلّم هو سبيل التعلّم الوحيد. وبفضل عشقه للخبز وجهده الذي لا يكلّ، صقل مهارته خطوة بعد خطوة.
جاءت فكرة «مي نيانغ لي شيانغ» من مكوّنات تايوانية محلية: حلاوة الليتشي الاستوائية العطرة، وعبير الورد، مع عجينة بادئة مخمّرة بالنبيذ الأحمر من مصنع بولي، فنشأت طبقات نكهة لم يسبق لها مثيل. وهذا الأسلوب في إدخال العناصر التايوانية المحلية إلى المخبوزات الغربية صار لاحقاً إحدى سمات الخبز التايواني.
ولم تكن بطولة وو باو-تشون نهاية مشوار تايوان في هذه المسابقة. فقد فاز ووُ تسي-جينغ عام 2015، وتشن ياو-شون عام 2017، ووانغ بنغ-جيه عام 2022، ببطولة الفردي في Mondial du Pain تباعاً، مما جعل تايوان من أكثر الدول تراكماً للألقاب في تاريخ هذه المسابقة.2
الجماليات الخاصة بالخبز التايواني
مزجت ثقافة الخبز في تايوان عناصر متعددة فتشكّلت منها «جماليات تايوانية» خاصة. وأبرز ما يميّز هذه الجماليات هو «انعدام الحدود»: أي مكوّن قد يصبح حشوة للخبز، وأي نكهة تستحق التجربة.
خبز البصل الأخضر هو أكثر الابتكارات التايوانية تمثيلاً لذلك. في نظر الأوروبيين، البصل الأخضر والخبز تركيبة غير متجانسة إطلاقاً، لكن التايوانيين صنعوا منها كلاسيكية. جسم الخبز هشّ طري، وسطحه مغطى بالبصل الأخضر والمايونيز، وتشابك المالح والحلو فيه يُدهش الذائق. وهذه الروح الجريئة في الابتكار هي جوهر الخبز التايواني.
أما خبز رقائق اللحم المجفف (肉鬆) فهو نموذج آخر. فهذا الطبق الجانبي التايواني التقليدي اتحد مع الخبز الغربي فأنتج تجربة مذاق فريدة. تمنح طبقة اللحم الخارجية نكهةً غنية وقواماً قابلاً للمضغ، بينما يحتفظ الخبز في الداخل بطراوته وحلاوته، فينشأ تباين طريف.
أما خبز البولو (菠蘿包) فأصله من هونغ كونغ، وبعد دخوله تايوان تطوّرت له نسخة خاصة. ورغم أن اسمه يعني «خبز الأناناس»، فإنه لا يحتوي أناناساً في الحقيقة، وإنما سُمّي كذلك لأن نقوش القشرة المقرمشة على سطحه تشبه قشرة الأناناس. والنسخة التايوانية عادةً أحلى من نسخة هونغ كونغ وقشرتها أسمك، بما يوافق ميل التايوانيين إلى الحلويات.
الخبز الأوروبي مقابل الخبز التايواني: حوار بين فلسفتين
في السنوات الأخيرة أثار الخبز الأوروبي موجة في تايوان، وسافر كثير من الخبازين إلى فرنسا لتعلّم التقنية الأصيلة. وقد أنشأت هذه الموجة الأوروبية حواراً طريفاً مع الخبز التايواني التقليدي.
ما يسعى إليه الخبز الأوروبي هو «النقاء»: خميرة طبيعية، وتخمير طويل، وعناية بجودة الدقيق ودرجة حرارة الماء. والمنتج عادةً قاسٍ من الخارج طريّ من الداخل، متماسك القوام، بحموضة طبيعية. وهذا خبز يحتاج تذوقاً متأنياً ومضغاً بطيئاً حتى يُحسّ المرء بحلاوة الدقيق وعطره.
أما الخبز التايواني فيسعى إلى «الوفرة»: حشوات متنوعة، ونكهات متنوعة، وأشكال متنوعة، والهدف منح المستهلك أقصى قدر من الإشباع. وجسم الخبز عادةً أطرى وأحلى، ومناسب للاستمتاع السريع. وهذا الاختلاف يعكس فهماً مختلفاً للطعام بين ثقافتين.
والطريف أن هذين الأسلوبين لم يتنافرا في تايوان، بل تكاملا. فكثير من المخابز تبيع الخبز الأوروبي والتايواني معاً لتلبية احتياجات زبائن مختلفين. بل إن بعض الخبازين المبتكرين مزجوا التقنيتين فأنشأوا فئة جديدة اسمها «الخبز الأوروبي على الطريقة التايوانية».
أسطورة تدويل 85°C
إن كان وو باو-تشون يمثّل العلوّ التقني للمخبوزات التايوانية، فإن 85°C ترمز إلى إنجازها التجاري. فهذه العلامة التي تأسست عام 2003 نمت من مقهى تايواني محلي إلى شركة سلاسل دولية: دخلت السوق الصينية عام 2008، وتوسعت إلى الولايات المتحدة عام 2016.3
يكمن سرّ نجاح 85°C في تموضعها ضمن «الفخامة بسعر في المتناول». فهي تقدّم كعكاً وخبزاً بمستوى فنادق الخمس نجوم، لكن بأسعار في حدود المقاهي العادية. وقد التقطت هذه الاستراتيجية نفسية المستهلك بدقة، فأتاحت للناس العاديين التمتع بمخبوزات راقية.
ولم تكن رحلة التدويل سلسة. ففي السوق الصينية واجهت 85°C منافسة محلية شرسة، وفي السوق الأمريكية احتاجت إلى التكيّف مع عادات استهلاك مختلفة. لكنها عبر التعديل المستمر لتشكيلة منتجاتها ونموذج تشغيلها ثبّتت قدميها تدريجياً في الخارج.
كما أثبت نجاح 85°C خارج تايوان القدرة التنافسية الدولية للمخبوزات التايوانية. فرغم أن التقنيات أصلها أوروبي وأمريكي وياباني، فإنها بعد الابتكار والتحسين التايواني طوّرت أسلوباً ومزايا خاصة بها. وتصدير هذه القوة الناعمة أشدّ إقناعاً من أي دعاية رسمية.
تعليم المخبوزات وتوارث المهارة
لا ينفصل تطور صناعة المخبوزات التايوانية عن سند المنظومة التعليمية. فمن نظام المعلّم والمتدرّب في البدايات، إلى المعاهد المهنية والتقنية اليوم، مرّ تعليم المخبوزات بتحوّل كبير.
أقسام المخبوزات في المعاهد المهنية والتقنية خرّجت كوادر كثيرة للصناعة. فالطالب لا يتعلّم التقنيات الأساسية فحسب، بل عليه أيضاً الإلمام بعلوم الأغذية والتغذية وضبط التكاليف وغيرها من المعارف المتخصصة. وهذا التعليم المنهجي رفع المستوى المهني للقطاع بأكمله.
كما أدّت مسابقات المخبوزات بأنواعها دوراً مهماً. فمن مسابقات داخل المدارس إلى البطولات الدولية، لم تكن هذه المسابقات منصة لتبادل التقنيات فحسب، بل مهداً لتنشئة المواهب أيضاً. وكثير من الخبازين المشهورين برزوا عبر المسابقات.
وفي السنوات الأخيرة اتجه تعليم المخبوزات نحو التنوّع. فإلى جانب التدريب التقني التقليدي، أُضيفت مقررات في إدارة ريادة الأعمال وسلامة الغذاء والاعتمادات الدولية. وهذا النموذج الشامل جعل الكوادر التايوانية أقدر على المنافسة في السوق الدولية.
تحديات سلامة الغذاء وتحوّل الصناعة
سلامة الغذاء هي أكبر تحدٍّ تواجهه صناعة المخبوزات. فمن عاصفة الملدّنات (البلاستيسايزر) إلى الجدل حول إضافات النكهات، كانت كل حادثة سلامة غذائية تصدم القطاع بشدة. ومطالب المستهلكين بشأن سلامة الغذاء ترتفع باستمرار، وعلى أصحاب المهنة بناء منظومة أشدّ صرامة لضبط الجودة.
بدأ كثير من أصحاب المخابز اعتماد استراتيجية «الشفافية»، فأعلنوا مصادر المكوّنات وطريقة التصنيع. بل إن بعض المخابز أنشأت مطابخ مفتوحة تتيح للمستهلك مشاهدة عملية الإنتاج مباشرة. وهذا الأسلوب وإن رفع الكلفة فقد رفع أيضاً ثقة المستهلك.
كما دفع صعود الوعي الصحي إلى تحوّل الصناعة. فبدأ الخبز القائم على مفاهيم صحية مثل قلة السكر وقلة الزيت والحبوب الكاملة يلقى رواجاً. وقد لا يضاهي مذاقه الخبز التقليدي، لكنه يلبّي حاجة المستهلكين ذوي التوجّه الصحي.
والابتكار التقني اتجاه مهم آخر. فالمعدات الآلية رفعت كفاءة الإنتاج، وتقنيات التجميد أطالت مدة الحفظ، وطرق الخَبز الجديدة خلقت إمكانات أكثر. وهذه الابتكارات لم ترفع جودة المنتج فحسب، بل خفّضت أيضاً كلفة العمالة.
مسار تطور صناعة الخبز والمخبوزات في تايوان واضح المعالم: من فوز وو باو-تشون الرائد عام 2010، إلى ثلاث بطولات متتابعة في الفردي بـMondial du Pain أعوام 2015 و2017 و2022، ثم عبور 85°C إلى أسواق أوروبا وأمريكا وآسيا — القدرة التنافسية الدولية التي راكمتها الصناعة التايوانية صار لها سند من الإنجاز الفعلي، وهي ليست ترقية تقنية فحسب، بل تطوّر كامل من طرف الإنتاج إلى طرف العلامة التجارية.4
المراجع
قراءات إضافية
- مخبز وو باو-تشون — المتجر الرئيسي لوو باو-تشون في تاينان، ويضم أصناف الخبز الفائزة بالبطولة
- معهد بحوث تقنيات صناعة الحبوب الصيني — مؤسسة بحوث تقنيات صناعة المخبوزات
- الموقع الرسمي لمخبز وو باو-تشون — تعريف بعمل «مي نيانغ لي شيانغ» وتفاصيل الفوز ببطولة Mondial du Pain عام 2010.↩2
- الموقع الرسمي لـMondial du Pain — قوائم أبطال الفردي عبر الدورات، وتشمل سجل اللاعبين التايوانيين في الدورات الأربع 2010 و2015 و2017 و2022.↩
- علاقات المستثمرين في 85°C — تطور العلامة التجارية 85°C وبيانات فروعها في الخارج.↩
- معهد بحوث تقنيات صناعة الحبوب الصيني — مؤسسة بحوث تقنيات المخبوزات في تايوان، وتشمل بيانات التدريب للمسابقات والإرشاد التقني.↩